ابن قيم الجوزية

105

عدة الصابرين وذخيرة الشاكرين

يا أمة الله اتقي الله واصبري قالت : يا عبد الله لو كنت مصاباً عذرتني قال : يا أمة الله اتقي الله واصبري قالت : يا عبد الله قد سمعت فانصرف عني فمضى رسول الله صلى الله عليه وسلم واتبعه رجل من أصحابه فوقف على المرأة فقال لها : ما قال لك الرجل الذاهب قالت : قال لي كذا وأجبته بكذا وكذا قال : هل تعرفينه قالت : لا قال : ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : فوثبت مسرعة نحوه حتى انتهت إليه وهي تقول : أنا أصبر أنا أصبر يا رسول الله فقال : ( الصبر عند الصدمة الأولى الصبر عند الصدمة الأولى ) . قال ابن أبي الدنيا : حدثنا بشر بن الوليد وصالح الكندي بن مالك فقالا : حدثنا سعيد بن زربي فذكره فهذا السياق يبين معنى الحديث قال أبو عبيد : معناه أن كل ذي رزية فان قصاراه الصبر ولكنه انما يحمد على صبره عند حدة المصيبة وحرارتها . قلت : وفي الحديث أنواع من العلم : أحدها : وجوب الصبر على المصائب وأنه من التقوى التي أمر العبد بها . الثاني : الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وأن سكر المصيبة وشدتها لا يسقطه عن الآمر الناهي . الثالث : تكرار الأمر والنهي مرة بعد مرة حتى يعذو الأمر إلى ربه . الرابع : احتج به على جواز زيارة النساء للقبور فإنه صلى الله عليه وسلم لم ينكر عليها الزيارة وانما أمرها بالصبر ولو كانت الزيارة حراماً لبين لها حكمها وهذا كان في آخر الأمر فإن أبا هريرة انما أسلم بعد السنة السابعة وأجيب عن هذا بأنه صلى الله عليه وسلم قد أمرها بتقوى الله والصبر وهذا انكار منه لحالها من الزيارة والبكاء ويدل عليه أنها لما علمت أن الآمر لها من تجب طاعته انصرفت مسرعة وأيضاً فأبو هريرة لم يخبر أنه شهد هذه القصة فلا يدل الحديث على أنها بعد اسلامه ولو شهدها فلعنته صلى الله عليه وسلم لزائرات القبور والمتخذين عليها المساجد والسرج كان بعد هذا في مرض موته .